اليوم جمعة وغدًا خميس - سفيان رجب

نُشِر في: أكتوبر 16, 2026

 رواية اليوم جمعة وغدًا خميس عمل روائي للكاتب والشاعر التونسي سفيان رجب، صدرت في ديسمبر 2022 عن دار أركاديا للنشر والتوزيع، في 334 صفحة، وحازت على جائزة الكومار الذهبي (جائزة لجنة التحكيم).

نبدأ بعتبة النص والعنوان الغرائبي: "اليوم جمعة وغدًا خميس"، عنوان يقلب الترتيب الزمني المتعارف عليه، وتستله الرواية من أمنية شخصية "كوهين" في الكنيس اليهودي بمدينة سوسة؛ بعد وفاة العجوز "إسحق المالح" (الذي عاد للإيمان بخديعة ابنه موسى حول البقرة الحمراء)، يقل نصاب الصلاة عن عشرة مصلين، فيتمنى كوهين أن يرتد الزمن لتأجيل السبت، في إشارة تهكمية إلى خضوع الإنسان للطقوس والمواكبة الصورية للخرافة حين يسيطر عليه الخوف.

تدور الأحداث في المدينة العتيقة بسوسة (بين نهج الأغالبة وبوجعفر)، حيث يحول الكاتب عائلة "المالح" اليهودية إلى سكان أصليين ليغوص في تاريخ منسي. وتتخذ الرواية من واقع الثورة التونسية معلماً زمنياً تزايد بعده التضييق على اليهود، لتفتح ملفات الذاكرة واضطهادهم عبر التاريخ دون السقوط في فخ التباكي أو المظلومية.

تتوزع البطولة بين رؤى فكرية ومسرحية متصارعة؛ حيث تعود "إيريلا" المخرجة من فرنسا برؤية تجديدية ترى الفن جوهر الروحانية، وتحمل "كوبيا" من "كتاب الأصل" لنبية مفترضة من كهوف قمران، لتبني مشروعها "الفيلمسرحي" "مركب نوح" لترميم الإنسانية. وفي المقابل، نجد ابن عمها "موسى" المشبع بالعقيدة والموهَم بأنه كليم الله، بينما تحرك إيريلا خدعة مسرحية وسبع محابر بألوان قوس قزح ليخط الوحي الجديد، مفسدةً ادعاء الغيب لصالح الفن. ويبرز أيضاً "ميمون" (رابط الأسد) الحكاء الذي يدعي ربط أسد البرج العثماني إلى النخلة، ليؤجل الرحيل والهجرة عبر سرد أساطير المسخ والبعث.

ينتهج سفيان رجب الجرأة في تفكيك "المؤسسة الدينية"، مفرّقاً بين الدين كإشراقة روحية أولى وبين المؤسسة التي تدجن البشر وتؤطرهم في قيود وأقنعة. كما يقدم قراءة متجردة لا تجمّل واقع التعايش ولا تخفي الكراهية المتبادلة، مسلطاً الضوء على حق المواطنة الكاملة للجميع ومسائلاً المرويات التوراتية القديمة (كقصة سكر نوح ولعنة كنعان).

كعادته، يتفنن سفيان رجب في الاشتغال على الأفكار وتفكيك المقدّس، متكئاً على 55 تصديراً من التوراة والإنجيل والقرآن و"كتاب الأصل" ليؤكد التشابك الإنساني. ورغم اعتماد الكاتب على أحداث وأماكن واقعية في سوسة، إلا أن الرواية تتسرب بالكامل إلى الفانتازيا والواقعية السحرية، وعلى القارئ أن يفكك رموز هذا "المركب" ليرى الإنسان مجرداً من الخرائط والحدود.