الكذبة الثالثة - أغوتا كريستوف
رواية "الكذبة الثالثة" هي الرواية الأخيرة في ثلاثية الدفتر الكبير للكاتبة المجرية-السويسرية أغوتا كريستوف، صدرت عن دار سوي بالفرنسية عام 1991، وتُرجمت للعربية عن منشورات الجمل في 180 صفحة، وهي النص الأشد تعقيداً وفلسفية في السلسلة.
نبدأ بعتبة النص: عنوان يختزل لعبة السرد بأكملها، حيث تُعلن الكاتبة صراحة أن ما سُرد سابقاً ليس سوى طبقات متراكمة من الخداع النفسي؛ فالكذبة الأولت كانت في "الدفتر الكبير"، والثانية في "البرهان"، لتأتي "الكذبة الثالثة" وتُفكك كل ما بناه القارئ من يقين.
تدور الأحداث حول رجل يُدعى "كلاوس" يعود بعد عقود من المنفى إلى مسقط رأسه بحثاً عن شقيقه التوأم "لوكاس". لكن سرعان ما ينكسر هذا الخيط الدلالي، ليتكشف أن أسطورة التوأم المثالي لم تكن سوى وهم؛ فالطفل لم يعش طفولة مع أخٍ في بيت الجدة، بل كان طفلاً واحداً أُصيب بطلق ناري أثناء شجار عائلي فاجع قُتل فيه الأب، وقضى شبابه في المصحات، فاخترع "الأخ التوأم" في مخيلته ليتقاسم معه عذاب العزلة والشلل.
يختلط الخيال بالواقع في هذا الجزء بشكل يربك القارئ؛ فلا نعلم أي الشخصيات توجد بالفعل وأيها مجرد ظلال أدبية. يمنح النص بطلَهُ سلطة الاعتراف بكتابة الأكاذيب كآلية دفاعية للبقاء، قائلاً إن القصة عندما تغدو غير محتملة، لا يتبقى للكاتب سوى تغييرها ليعيش. وفي مواجهة هذا العزف النفسي المتوتر، يلتقي الشقيقان/الشخصيتان في نهاية مطاف لا يدع مجالاً للترميم، لتنتهي الرحلة بانتحار أحدهما تحت عجلة القطار.
تتعدد الأصوات ويتغير الأسلوب ببراعة لافتة؛ فبعد أن بدأت الثلاثية بصوت الجمع الجاف "نحن" في الجزء الأول ليعكس تبلد الطفلين، ثم انتقلت إلى ضمير الغائب "هو" في الجزء الثاني ليرصد شتات "لوكاس" في المجتمع الشمولي، تصل في هذا الجزء الأخير إلى ضمير المتكلم "أنا" لتغوص في المتاهة الداخلية للذاكرة الصادمة.
تتجلى الرواية كنص يفكك إشكاليات الذاكرة الخائنة والكتابة التعويضية، وتبسط كيف يتحول الأدب من أداة لتوثيق الواقع إلى ملجأ أخير لتزييفه؛ حيث يتأرجح القارئ بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، ليتضح أن القسوة الحقيقية لا تكمن فقط في بشاعة الحرب، بل في عجز الإنسان عن لملمة شظايا ذاته المكسورة.

التعليقات