الكميونة - شفيق الجندوبي

نُشِر في: سبتمبر 28, 2026

 رواية “الكميونة” هي رواية واقعية للأديب التونسي شفيق الجندوبي، صدرت في نسختها الأولى عن دار وشمة للنشر الورقي والإلكتروني سنة 2024، وتقع في 170 صفحة.

تسلّط الرواية الضوء على الحياة اليومية للعاملات الفلاحيات المهمّشات في تونس، من خلال شخصية "جمّولة الغولة"، وهي امرأة خمسينية من منطقة مراح بنت النوري. منذ الصفحات الأولى، يعرّفنا الراوي بهذه الشخصية المتفرّدة، فيتحدّث عن نشأتها ووضعها الحالي زمن السرد. "جمّولة" انقطعت مبكرًا عن الدراسة لتعمل كعاملة فلاحية في أراضي كبار الفلاحين، الذين يستغلون ضيق حال النساء وانتشار البطالة في القرى، فيشغّلونهن بأجور زهيدة. ولا يقتصر الاستغلال على الجهد، بل يتعداه أحيانًا إلى استباحة الجسد، في ظل صمت مفروض بالخوف من الطرد.

في البداية، تبدو "جمّولة" حادّة الطبع، سريعة الغضب، لكن مع تقدّم السرد نكتشف امرأة ذات مبادئ راسخة، لا تتردّد في الدفاع عن شرف إحدى العاملات، حتى لو كلفها ذلك فقدان عملها.

ورغم ضيق الحال، نجدها حاضرة في أفراح وأتراح القرية، كأنها امرأة من حديد لا تكلّ ولا تملّ. ويبرز الكاتب ذكاءها في تعاملها مع زوجها العاطل الجبان، الذي يطمع في القليل من الدنانير التي تجنيها، مثل غيره من رجال القرية المنغمسين في النوم أو لعبة "الشكوبا".

كما يُظهر الكاتب على لسان "جمّولة" معاناة الأمهات اللواتي سُجن أبناؤهن ظلمًا بتهمة استهلاك "الزطلة"، أو فقدن أبناءهن في البحر وهم يلاحقون حلماً أوروبياً بعيد المنال.

ويتناول في خاتمة الرواية أهم القضايا التي تهدد العاملات: النقل غير الآمن. حوادث المرور المتكررة تخلّف شهيدات جديدات للعمل الفلاحي، بسبب سيارات غير مهيّأة، وغياب الحدّ الأدنى من الحماية. وعندما تقع الكارثة، تتسابق وسائل الإعلام لتغطيتها، ثم لا تلبث أن تنساها، مثلما تنسى الضحايا.

وبعد عام من صدور الرواية، لا يزال الوضع على حاله، وتتكرّر المأساة زمن كتابة هذه المراجعة (ماي 2025). ومع أن الأدب قد لا يغيّر الواقع سريعًا، فإن هذه الرواية تُعدّ شهادة حيّة على معاناة حقيقية، وتكريمًا مستحقًا لنساء قدّمن أعمارهن فداءً لهذا الوطن.