غيمات بيضاء - عبد القادر بن الحاج نصر

نُشِر في: سبتمبر 25, 2026

 كتاب “غيمات بيضاء… ما أبعدها!” للأديب التونسي غزير الإنتاج عبد القادر بن الحاج نصر هو سيرة روائية صدرت في نسختها الأولى عن دار نقوش عربية سنة 2024 في 312 صفحة.

قسّم الكاتب روايته إلى ثمانية فصول، وتواصلت في الزمن إلى بداية السّبعينات وعمله في الإذاعة التونسيّة، فبدأ الحديث أولا عن مرضه بالسل وهو طفل، ذاكرًا شذرات من ذكرياته مع زوجة أبيه وإخوته وأيامه بالمدرسة الابتدائية وصولًا إلى المدرسة الثانوية بقفصة.

غير أنّ مرضه المفاجئ بداء الرئة الذي أقعده، اضطره للذهاب للتداوي في العاصمة التي لن يكتشف منها سوى مستشفى الأطفال. وهناك يلاحظ طبيب أن مريضه مغرم بالمطالعة، فيساعده على الالتحاق بما فاته من الدروس في معهده. لكن ما فات الصبي كان كثيرا، فرسب.

يهرب الصبي من ملاحظات أهل قريته حول مرضه إلى العاصمة، ويقيم فيها عاطلًا عن العمل والدراسة، منغمسًا في المطالعة في مكتبة العطارين، وقد اتّخذ من المطالعة مهربه وسلواه. ثمّ بدأ في محاولاته الأدبية، وتنشر جريدة الصباح أولى قصائده، مما يعطيه دفعًا للمواصلة. كما تمكّن من ضمان عمل كمشرف على إحدى الضيعات الحكومية، وفرض احترامه رغم حداثة سنّه.

يُسرَّح الراوي من عمله في الضيعة، فينغمس في كتابة القصة والمشاركة في البرنامج الأدبي الإذاعي “هواة الأدب” من تقديم المختار حشيشة، برفقة الشاعر أحمد اللغماني، الذي أثنى على أسلوب الكاتب الشاب، وما لبث أن تكرّرت مشاركاته وفوزه في هذا البرنامج.

أحدثت مشاركاته فضول الأدباء، فاحتضنوا تجربته الناشئة في “نادي القصة” برئاسة البشير خريف، وجالس الفتى أدباء عصره كالفارسي، المختار بن جنات، المطوي وغيرهم.

واصل الفتى محاولاته الأدبية، وطمح أن يصبح مذيعًا في الإذاعة الوطنية، غير أن فرصة انتدابه كانت ضئيلة، وواصل عراكه مع الحياة ومتطلباتها بحزم وثبات.

بفضل مشاركاته العديدة في برنامج “هواة الأدب”، رشّح أحمد اللغماني عبد القادر بن الحاج نصر ليشارك في حدث ثقافي ويقرأ قصة من قصصه أمام الرئيس الحبيب بورقيبة. غير أنّ إدارة الحدث لم توافق على قصته، فـاغتاظ الكاتب الشاب، ولفت إليه أنظار الرئيس عبر مداخلاته الشرسة بعد كل مشاركة. فطلب الرئيس شخصيًا أن يسمع ما للفتى أن يقول، وقد كانت ذكرى لا تُمحى للفتى، إذ إنّ المجاهد الأكبر تأثّر بقصّته.

نجح الفتى أخيرًا في تحقيق حلمه بالانضمام إلى الإذاعة الوطنية بعد مروره البارز أمام الرئيس، وبدأ فصل آخر من حياته تميّز بالاستقرار بداية، ثمّ بالطموح لما هو أفضل: أن يتحصّل على شهادة الباكالوريا ويُكمل مسيرته الدراسية خارج البلاد. وكان له ذلك، وتفاصيل رحلته هذه سُرِدت في كتاب سيرذاتي آخر بعنوان “حديقة لوكسمبورغ”.

لا شك أن القارئ سيستمتع بالأسلوب السردي المتسلسل للأديب، ويستشفّ من هذه الرواية حب الكاتب للأرض التي يجد فيها سكينته، وحافزه للإبداع. ولا بدّ للمرء أن يطمح لتحقيق أحلامه مهما بدت بعيدة المنال، وفي الكاتب مثال على ذلك